أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

97

العقد الفريد

لا بدّ للعاشق من وقفة * تكون بين الهجر والصرم « 1 » حتى إذا الهجر تمادى به * راجع من يهوى على رغم ثم وجهت بالكتاب إلى يحيى بن خالد ، فدفعه إلى الرشيد ، فقال : واللَّه ما رأيت شعرا أشبه بما نحن فيه من هذا ، واللَّه لكأني قصدت به ! فقال له يحيى : وأنت واللَّه يا أمير المؤمنين المقصود به ؛ هذا يقوله العباس [ ابن الأحنف ] في هذه القصة ، فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قوله : راجع من يهوى على رغم استغرب « 2 » ضاحكا حتى سمعت ضحكه ، ثم قال : إي واللَّه ، أراجع على رغم ! يا غلام ، هات نعلي . فنهض ، وأذهله السرور عن أن يأمر لي بشيء ؛ فدعاني يحيى وقال : إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة ، وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء . قلت : لكن هذا الخبر ما وقع مني بغاية الموافقة ! ثم جاء غلام فسارّه ، فنهض وثبت مكاني ثم نهضت بنهوضه ؛ فقال لي : يا عباس ، أمسيت أنبل الناس ! أتدري ما سارّني به هذا الرسول ؟ قلت لا . قال : ذكر لي أن ماردة تلقّت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه ، ثم قالت : يا أمير المؤمنين ، كيف كان هذا ؟ فناولها الشعر ، وقال : هذا أتى بي إليك ! قالت : فمن يقوله ؟ قال : عباس بن الأحنف . قالت : فيم كوفئ ؟ قال : ما فعلت شيئا بعد . قالت : إذا واللَّه لا أجلس حتى يكافأ ! قال : فأمير المؤمنين قائم لقيامها وأنا قائم لقيام أمير المؤمنين ، وهما يتناظران في صلتك ، فهذا كله لك . قلت : ما لي من هذا إلا الصلة ! فقال : هذا أحسن من شعرك . قال : فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير ، وأمرت لي ماردة بمال دونه ، وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به ! وحملت على ما ترون من الظّهر ! ثم قال الوزير : من

--> ( 1 ) الصرم : الهجر . ( 2 ) استغرب في الضحك : أكثر منه وبالغ فيه .